محمد باقر الملكي الميانجي

46

مناهج البيان في تفسير القرآن

القرآن الكريم ؛ فإنّه نور وهداية لجميع المؤمنين . ( مجمع البيان 9 / 37 ) ويرد عليه : انّ القرآن ، وإن كان نورا وبرهانا ، إلّا أنّه من المصاديق البارزة من أنواع التكليم الثلاثة . فإنّ القرآن جاء به رسول من رسل السماء - جبرائيل الأمين - إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وقرأه عليه . وهذا الروح ليس من قبيل الأصوات والحروف ، على ما سيجيء من البيان - إن شاء اللّه - بل هو أمر عينيّ نوريّ وعلم مفاض من اللّه - سبحانه - إلى رسوله - صلّى اللّه عليه وآله . قوله تعالى : « ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ » . يمكن أن يقال : إنّ في هذا البيان إشارة بل دلالة على أنّ دراية الكتاب والإيمان قد كانت متوقّفة بإيحاء هذا الرّوح . فلا بدّ من الالتزام بأنّ إيحاء هذا النور القدسيّ مقدّم رتبة وزمانا على تحقّق كلّ واحد من أنواع التكليم الثلاثة ، أو مقارن إيّاه ، ولا فرق في ذلك بين جميع الكتاب وأبعاضه . وقد تقرّر في محلّه أنّ الإيمان عمل كلّه ومبثوث على الجوارح والقلوب . ويمكن أن يقال : إنّ المراد بالإيمان ، هي العبادات المقرّرة والوظائف المرسومة حسب ما جاء بها القرآن الكريم والّتي أوحى اللّه إليه بنوع من أنواع التكليم من غير طريق القرآن ، وعلّمها وعرّفها وحمّلها بهذا الرّوح القدسيّ ، وتعبّد - صلّى اللّه عليه وآله - بها وجميع أهل دعوته . قوله تعالى : « وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً » . قد ذكرنا غير مرّة أنّ الجعل ليس مرادفا للخلق ، بل مرتبة الجعل في أمثال المقام بعد مرتبة تحقّق الخلق ؛ مثل قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً » ( يونس / 67 ) وقوله تعالى : « الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً » ( الزخرف / 10 ) وقوله تعالى : « وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً » . ( نوح / 19 ) أي : خلق وجعل ؛ أي : قرّر كذا وكذا من الغايات الحسنة الحكيمة . والظّاهر أنّ الضّمير في قوله تعالى : « وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً » راجع إلى الروح . ضرورة أنّ الكلام مسوق لبيان منزلة الروح ومقامه ، وأنّ معرفة الكتاب والإيمان